" إن هذا كتاب ربما ينفع الراشدين من الناس – أولئك الذين خبروا الحياة و أصابهم من نكباتها و صدماتها ما أصابهم . أما المستجدون و المدللون و الأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع و لم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب , إنه قد يضرهم ضرراً بليغاً .
خوارق اللاشعور – علي الوردي
دار الورّاق
منذ أن ألقيت نظرة على العنوان اعتقدت بأن الكتاب لا يتعدى الهرطقة و الكلام بلا معنى بخصوص اللاشعور , أو الوصايا التقليدية للوصول إلى النجاح كأمثاله من الكتب الأخرى التي تحمل العنوان نفسه , إلا أن الكتاب كان عميقاً جداً في طرحه , و ناجحاً في إيصال المعنى على نطاق واسع على صعيد المجتمع .
نجح الوردي في كتابه ( خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة ) بأن بحث في غموض العبقرية , النجاح و أسراره , و ما يسميه البعض بـ ( الحظ ) بنوعيه , و أثر الخوارق اللاشعورية من منطلق نظريات علمية .
في الكتاب , أشار علي الوردي إلى أن عقل الإنسان ليس حراً تماماً , فهو مقيد بإطار فكري متغلغل في أعماق عقله الباطن ( أو اللاشعور ) , هذا الإطار مقيد بضوابط نفسيه , اجتماعيه و حضارية .
فبسبب وجود الباطن أو اللاشعور , يرى الناس نواحي مختلفة في الحقيقة الواحدة .
" إن مشكلة النزاع البشري هي مشكلة المعايير والمناظير قبل أن تكون مشكلة الحق والباطل و ما كان الناس يحسبون أنه نزاع بين حق وباطل هو بالواقع نزاع بين حق وحق آخر "
تطرق الوردي لقانون يطلق عليه ( قانون الجهد المعاكس ) أو قانون ( كويه ) مفاده بأنه إذا تغلغلت فكرة في عقل الإنسان الباطن فإن كل الجهود التي يبذلها الإنسان في عقله الواعي تؤدي إلى نتيجة عكسية تخالف مبتغاه .
فلو كان أحدهم مثلاً يسير على حافة جدار مرتفع , و كان يخاف السقوط بشدة , لدرجة أن خوفه رسّب فكرة السقوط في عقله الباطن , فإن كل الجهود التي يبذلها كي لا يسقط سوف تؤدي إلى سقوطه .
و في الكتاب بين الوردي بأن لكل إنسان قدرة على الإحساس الخارق بدرجات تتفاوت من شخص لآخر , و في بعض الحالات قد يخترق هذا الإحساس حجاب الزمان و المكان , و قد خصص الوردي فصلاً كاملاً تقريباً يتحدث بتفسير علمي عن معظم هذه الحالات الغريبة .
بعضٌ مما توقفت عنده كثيراً :
" إن من النادر أن نجد شخصاً وضع في بدء حياته خطة دقيقة للعمل فسار عليها خطوة بعد خطوة ثم نال النجاح أخيراً على أساسها , إن معظم الناس يتجهون في أول أمرهم نحو غاية ثم ينحرفون عنها أخيراً , إن واقع الحياة أقوى من أية خطة يضعها عقل محدود , فالإنسان ينجرف في كثير من الأحيان بتيار الحياة و يسير كما تمليه عليه ضرورات الساعة , فإذا نجح على سبيل الصدفة رأيته قد صعّر خده على الناس و انهال عليهم لوماً و تقريعاً حاسباً سوء حظهم من صنع أيديهم .
و الغريب أن الحظ لا يؤمن به إلا الفاشلون , فهم يحاولون أن يجدوا تعليلاً و تفسيراً لفشلهم و لا يحبون أن ينسبوا قسطاً من فشلهم إلى ضعف صدر منهم فيلجئون اضطراراً إلى عقيدة الحظ ينسجون منها علة ما هم عليه من فشل أو شقاء " .
" يقول البروفسور ( لندس ) , أستاذ الاجتماع في كلية واشنطن , عن الضمير ما يلي :
إن الإنسان يستطيع أن يخلق نوعاً من الضمير حتى في الكلب . فإذا علم الكلب أن يقوم بعمل ما حسب طريقة معينة , فهو سوف يتعلم بواسطة التوبيخ و العقاب أن القيام بعمل مخالف خطأ , و سوف ينتهي به الأمر إلى أن يخر على ركبتيه و يضع ذيله بين ساقيه , أو يطرح على الأرض في تضرع و اعتذار , حين يجد نفسه قد خالف تعاليم سيده .
إن هذا النوع من الضمير لا يختلف عن ضمير الإنسان , رغم أن الإنسان يستطيع لما له من ذاكرة واسعة و قدرة على التجاوب العاطفي و الشعور الاجتماعي و قابلية للإيحاء و التفكير , أن ينمي في نفسه ضميراً أقوى من ضمير الكلب …
و ما نسميه عادة بوخز الضمير ما هو إلا شعور بالندم يحس به صاحبه حين يدرك ما فعل من خيانة بأحد الأشخاص أو الجماعات , و ما سوف يرجع ذلك الشخص أو تلك الجماعة إليه من لوم " .
أسلوب الوردي متين و سهل ممتع , يراودك شعور و أنت تقرأ له بأنه يتحدث إليك , يطرح أفكاره بكل عفوية و بساطة , بأبعاد عميقة و مؤثرة .
لقد كان أفضل كتابٍ اقرأه هذا العام , و أحسب أنه كان خير صديق في وقتٍ كنت في أمسّ الحاجة إلى المدعو – صديق - : )