تـاريخ القراءة

( القراءة تعني الاقتراب من شيء في اللحظة التي هو فيها على وشك أن يخلق )
ثمة شيء غريب يربطني بالكتب , كشرب الماء المالح , كلما أكثرت شربه ازددت عطشاً , حتى إنني في وقتٍ ما حين توقفت عن القراءة لظروفٍ خاصة , صادفني أن أحسست بصداعٍ مزعج , لم أتخلص منه إلا بعدما عاودت القراءة من جديد :@@:
الكتاب هذه المرة هو كتاب يتحدث عن حكاية الحب العظيم بين الإنسان و الكتب .
( تاريخ القراءة ) للكاتب الأرجنتيني ( آلبرتو مانغويل )
يقول آلبرتو ( إن الانغماس في القراءة هو فعل مميز للقارئ و ناف للمراقب , و ذلك ناجم عن أن منظر الفرد المنعزل في مقعد بركن قصي , الذاهل عن تذكر الكون و فوضاه يوحي بحصانة و اعتكاف لا يكمن اختراقه , حصانة تنطلق من عين القارئ بأنانية و تسمح له بممارسة أكثر الأفعال سرية , كانت عبارة أمي ( اخرج للهواء انطلق و عش ) تلاحقني بها كلما رأتني منعزلاً أقرأ , كما لو أن نشاطي الصامت يعتارض مع مفهومها لما يعنيه كون المرء حياً , و إن الخوف الشائع مما يمكن أن يرتكبه القارئ ضمن صفحات الكتاب يماثل الخوف الأزلي الذي يحمله الرجال عما ترتكبه النساء في المواقع السرية بأجسادهن , و يماثل ما يمكن أن يرتكبه السحرة و الكيميائيون وراء الأبواب الموصدة ؟
الانغماس في القراءة فعل يوحي بخطورة القارئ لذا يتهم القراء بالبعد عن الواقع و التحصن في برج عاجي وفقاً لسانت بويف , و لقد وصم فيرجيل العاج بأنه المادة التي سبكت منها بوابات الأحلام الزائفة , أي أن القارئ معزول في أحلام زائفة بعيداً عن الأرض و واقعها الجارح . )
كتاب ( تاريخ القراءة ) أحد الكتب الرائعة التي لم يخذلني محتواه , و أغبط نفسي على ذلك .
عنوانه مميز , و فصوله ذكية مغرية , و هذا نتاج ما قام به الكاتب من اقتفاء آثار النصوص المكتوبة و المقروءة و المطبوعة و تتبعها عبر مختلف العصور التاريخية , و التي استغرق فيها و كتابة الكتاب سبع سنوات , و صدقوني لم تكن تلك العجاف .
عمد على مزج الخاص بالعام في كتابه , و الشخصي بالكوني , ليكون النتاج قراءة في تاريخ الإنسان و ليس في تاريخ القراءة فقط .
( إن العلاقة بين الكاتب و القارئ التي بدأت في بلاد ما بين النهرين محفوف بالأسرار ستبقى قائمة أبد الدهر , إنها علاقة مثمرة و لكن منطوية على مفارقة زمنية بين خالق بدئي يهب الحياة في لحظة الموت , و بين الخالق بعد مماته , أو بالأحرى بين أجيال من الخالقين بعد مماتهم الذين يمكنون ما جرى خلقه من التكلم , و الذين لولاهم لأصبح كل شيء مكتوب ميتاً . القراءة إذا هي تبجيل الكتاب )
و الكتاب إذاً يعيد إشعال رغبة الحياة فينا , إذا ما اعتراها الفتور أو جافاك من حولك من البشر و أعرضوا عنك . .يمنحنا فرصة التجديد و الإطلاع على كل ما حولنا و ما سبقنا من تجارب أولئك الذين تركوا لنا ما يستحق تدوينه في بطون الكتب , و به نخرج من رتابة توحدنا و محدودية خبراتنا في الحياة .
أكثر ما كان يغريني فيه هو تلك الاقتباسات و الخطب لمختلف العلماء و المشاهير المولعون بالقراءة .
و إليكم بعضاً منها :
* ( كتب كافكا إلى صديقه أوسكار بولاك " على المرء ألا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضه و تخزه , إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذاً ؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبت ؟ يا إلهي , كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب , و الكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها , إننا نحتاج إلى الكتب التي تنزل علينا كالبلية التي تؤلمنا , كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا , التي تجعلنا نشعر و كأننا قد طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس , مثل الانتحار , على الكتاب أن يكون كالفأس التي تهشم البحر المتجمد في داخلنا , هذا ما أظنه " )
* ( تذمرت الروائية هاريت مارتينو في كتابها مذكرات السيرة الذاتية قائلة " عندما كنت صغيرة لم يكن إقبال الفتاة على الدراسة يعتبر من الأمور الحميدة , بل كان ينتظر منها الجلوس في الصالون و في يدها عمل يدوي , أو الاستماع إلى من يقرأ عليها و الاستعداد لاستقبال الضيوف من النساء , و بمجرد وصول النساء كان الحديث يبدأ عن الكتاب الذي ترك جانباً إكراماً للضيفات كي لا تقوم إحدى الضيفات خلال زيارتها القادمة لعائلة أخرى بالحديث عن قلة الذوق لدى العائلة التي كانت قد زارتها قبلئذ " )
* ( " كنت أبحث عن السعادة في كل مكان " هكذا اعترف توما الكمبيسي " إلا أنني لم أعثر على هذه السعادة إلا في زاوية و في يدي كتيب " )
* ( لا يمكن إقامة علاقة روحية بين الكتاب و القارئ كالعلاقة الموجودة بين الأمور الأخرى و أصحابها , عدة أثاث , ملابس – جميعها لها وظيفة رمزية . أما الكتب فتحمّل قراءها أموراً ذات محتويات رمزية أكثر تعقيداً مما تفعله مادة استهلاكية عادية . إن مجرد امتلاك الكتب يدلل على مكانة اجتماعية معينة و ثراء عقلي )
* ( كان ريلكه يقرأ سلسلة النسب الطويلة للكتب , لأن الكتب التي نقرأها هي دوماً الكتب التي قرأها آخرون , لا أقصد هنا اللذة المباشرة المتمثلة في الكتاب الذي أمسك به و كان في يوم ما ملكاً لغيري من الناس , و المستحضر إلى الذهن مثل شبح عبر همسات بعض الكلمات المكتوبة على حافة الكتاب أو توقيع على الصفحة الغفل أو ورقة شجرة جافة كمؤشر إلى موضع القراءة , أو بقعة من النبيذ الأحمر لها دلالاتها , كلا إن ما أقصده هو أن كل كتاب يتولد من تتابع كتب أخرى ربما لم نر أغلفتها و لا نعر مؤلفيها أبداً )
* ( نحن نعرف أننا نقرأ حتى عندما نتخلى عن عدم تصديقنا , و عندما نفتقد القربى من النص , نحن نعرف لماذا نقرأ حتى عندما لا نعرف كيف نقرأ; في الوقت نفسه نحتفظ في عقولنا بالعالم الظاهري للنص و نتمسك بفعل القراءة . نحن نقرأ كالكشافة الذين يقتفون الخطى ناسين كل ما حولهم من أشياء , نقرأ شاردي الذهن متجاوزين بعض الصفحات . نقرأ باحتقار , بإعجاب , بملل , بانزعاج , بحماسة , بحسد و شوق . في بعض الأحيان تعترينا فرحة غامرة مفاجئة دون أن نستطيع القول ما هو السبب ! )
ختاماً , ما دونته في آخر صفحة من الكتاب هو أن :
- قراءته ممتعة , ممتنعة , لا يبعث الملل على الرغم من كثرة المعلومات و الاقتباسات و الملاحظات الـ أتحفنا بها .
- الترجمة سهلة , رائعة .
- هو حكاية حب كبير , هو جدير بالقراءة .
أنهيته في الساعة الخامسة و النصف من مساء يوم السبت 31 أكتوبر 2009
كتب بواسطة نُّونْ • الرابط الثابت • اكتب تعليق »
nwn قال:
(( إن العلاقة بين الكاتب و القارئ التي بدأت في بلاد ما بين النهرين محفوف بالأسرار ستبقى قائمة أبد الدهر ))
كتاب صعب جداً.. كيف استمتعتي فيه .؟؟
ياااه ..
قلت لك يا الكمـ……..!! :اوص:
لا دخلت عالمك.. يتغير مودي :X
..دمتي يَ صاحبة الجلاله :$
السبت, 6 فبراير 2010 @ 2:37م
نُّونْ قال:
nwn
الكتاب ممتع , جدّاً … بس لـ الأشخاص الطويل بالهم ; )
اشتقتكِ (l)
الجمعة, 19 فبراير 2010 @ 5:42م